محمد أبو زهرة

2813

زهرة التفاسير

ذكر اللّه تعالى في الآية السابقة أن اللّه تعالى لا يأمر بالفحشاء ، أي لا يأمر بالأمر الذي يفحش ، فلا تستطيع العقول المستقيمة المدركة أن ترضى به . وهنا يبين ما يأمر به سبحانه ، فيقول : قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ ، وإن السياق يقتضى أن يكون ما أمر اللّه به نقيض الفحشاء ، فالقسط هنا يفسر بأنه العدل ، والعدل كل أمر في ذاته مستقيم تقره العقول ولا ينكره الذوق السليم ، فالعدل يشمل العدل في الحكم ، والعدل في الأقوال والأفعال ، والاعتدال في كل ما يختار في الأمور ، فلا يمتد إلى الحرمان ، ولا إلى الاعتداء ، بله الإفحاش ؛ ولذلك قال بعض المفسرين : إنه يشمل كل ما أمر اللّه به ، فما يأمر إلا بما هو عدل ، وما نهى إلا عما هو ظلم . وقال أبو مسلم في تفسيره : إنه الطاعات كلها ، والتعبير بالماضي في « أمر » فيه تكذيب لافترائهما وأنه لم يأمر به اللّه سبحانه ، فاللّه - سبحانه وتعالى - ما أمر بالفحشاء ، بل أمر بالقسط ، وما به تستقيم الأمور في العقول . ولقد صرح - سبحانه - بما يجب للمساجد ، من تعظيم ، لا أن يطّوّفوا عراة بالمسجد الأعظم ، الذي كرمه اللّه تعالى ، وتشد إليه الرحال ؛ ولذا قال تعالى : وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ . هذا أمر معطوف على خبر في الظاهر ، ولكن قالوا إن قوله تعالى : وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ هنا « أن » مطوية في الكلام ومقصودة والسياق هكذا : « أمر ربى بالقسط وبأن أقيموا وجوهكم عند كل مسجد » . وأقول إن : « أقيموا » معطوف على « أمر » لأن « أمر » يتضمن معنى الطلب ، فهو عطف طلب على طلب . وإقامة الوجه عند كل مسجد ، هي الاتجاه إلى اللّه تعالى ، مثل قوله تعالى : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً . . . ( 30 ) [ الروم ] والوجوه هي الذوات ، أي اتجهوا إلى اللّه تعالى بكل أنفسكم عند كل مسجد ، وكذلك ما يطلبه اللّه تعالى عند كل مسجد ، مع توقير المساجد ، وإعطائها حقها في الاحترام والإجلال ، فلا يصح أن يكون فيها عرى أو ما يكون رذيلة في ذاته ، أو ما يبعث على الرذيلة ، وأن يكون